العلامة المجلسي

140

بحار الأنوار

الآتية ، وقيل : فإذا فرغت من الغزو فانصب في العبادة ، أو فإذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء " وإلى ربك فارغب " بالسؤال ، ولا تسأل غيره ، فإنه القادر وحده على إسعافه ( 1 ) . أقول : اعلم أن شق بطنه صلى الله عليه وآله في صغره في روايات العامة كثيرة مستفيضة كما عرفت ، وأما رواياتنا وإن لم يرد فيها بأسانيد معتبرة لم يرد نفيها أيضا ، ولا يأبى عنه العقل أيضا ، فنحن في نفيه وإثباته من المتوقفين ، كما أعرض عنه أكثر علمائنا

--> ( 1 ) قال الشريف الرضى قدس الله روحه الشريفة في تلخيص البيان : 279 : وهذا القول مجاز واستعارة ، لان النبي صلى الله عليه وآله لا يجوز أن ينتهى عظم ذنبه إلى حال أنقاض الظهر وهو صوت تقعقع العظام من ثقل الحمل ، لان هذا القول لا يكون الا كناية عن الذنوب العظيمة والافعال القبيحة ، وذلك غير جائز على الأنبياء عليهم السلام ، في قول من لا يجيز عليهم الصغائر والكبائر ، وفي قول من يجيز عليهم الصغائر دون الكبائر ، لان الله تعالى قد نزههم عن موبقات الأنام ومستحقات " مستقبحات ظ " الافعال ، إذ كانوا امناء وحيه ، وألسنة أمره ونهيه ، وسفرائه إلى خلقه ، وقد استقصينا الكلام في باب مفرد من كتابنا الكبير ، فنقول : إن المراد هاهنا بوضع الوزر ليس على ما يظنه المخالفون ، من كونه كناية عن الذنب ، وإنما المراد به ما كان يعانيه النبي صلى الله عليه وآله من الأمور المستصعبة والمواقف الخطرة في أداء الرسالة ، وتبليغ النذارة ، وما كان يلاقيه صلى الله عليه وآله من مضار قومه ، ويتلقاه من مرامي أيدي معشره ، وكل ذلك حرج في صدره ، وثقل على ظهره ، فقرره الله تعالى بأنه أزال عنه تلك المخاوف كلها ، وحط عن ظهره تلك الأعباء بأسرها ، وأداله من أعدائه ، وفضله على أكفائه ، وقدم ذكره على كل ذكر ، ورفع قدره على كل قدر ، حتى أمن بعد الخيفة ، واطمأن بعد القلقة ، وخرج من حقائق الضغطة إلى مفاسح الغبطة ، ومن عقال الانقباض إلى محال الانبساط ، فلذلك قال سبحانه : " ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك * الذي انقض ظهرك * ورفعنا لك ذكرك " وهذه الأمور التي امتن الله تعالى عليه بأنه فعلها به متشابهة في المعنى ، لان شرح الصدر ووضع الوزر إذا كان بمعنى إزالة الثقل من الهم ، ورفع الذكر أحوال يشبه بعضها البعض ، فلا معنى لتأول الوزر هنا على أنه الذنب والمعصية ، ولا دليل في الآية على ذلك ، مع ما في القول به من الغمز في مزايا الأنبياء الذين قد رفع الله سبحانه أقدارهم ، وأعلى منارهم ، وألزمنا اتباع مناهجهم وثقيل طرائقهم وتقبل أوامرهم . فان قال قائل : إن هذه السورة مكية وكان نزولها وهو عليه السلام بعد في حال الخوف والمراقبة وضعف اليد عن المغالبة ، قيل له : لا يمتنع أن يكون الله تعالى بشره بما تؤول إليه عواقب أمره من انجلاء الكربة ، وانحسار اللزبة ، وقوة السلطان ، وانتشار الاعلام ، فقال المتوقع من ذلك عنده مقام الواقع لتصديقه وسكونه إلى صحته ، فزال ما كان يعانيه من أثقال الهموم ، ويقاسيه من خناق الكروب ، وهذا جواب مقنع بتوفيق الله وعونه .